الشيخ محمد رشيد رضا
199
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لما بأنفسهم من العقائد والاخلاق والصفات ، التي طبعتها عليها العبادات الموروثة والعادات الراسخة ؟ هل يكفي في ذلك قيام مصلح فيهم يضع لهم كتابا تعليميا جافا ككتب الفنون يقول فيه انكم أيها الناس ضالون فاسدون ، ومضلون مفسدون ، فاعملوا بهذا الكتاب تهتدوا وتصلحوا ، أو قانونا مدنيا يقول في مقدمته نفذوا هذا القانون تحفظ حقوقكم ، وتعتز أمتكم وتقو دولتكم ؟ أنى وقد عهد من الناس الفاسدين المفسدين سوء التصرف بكتب أنبيائهم المرسلين ، وإهمال قوانين حكمائهم المصلحين ، ( كما فعل المسلمون المتأخرون ) وإنما توضع القوانين للحكومات المنظمة ذات السلطان والقوة التي تكفل تنفيذها ، وانى لمحمد فعل هذا في الأمة العربية وقد بعث بالحجة والبرهان ، فريدا وحيدا لا عصبة له من قومه ولا سلطان ؟ على أنه جاء بأعدل الأصول التي تبني عليها أمته قوانينها عند تكوين دولتها في الأحوال الملائمة لها كما يعلم مما يأتي كلا ان هذه الثورة ما كان يمكن أن تحدث إلا بما حدثت به وهو تأثير هذا القرآن في الأمة العربية التي كانت أشد الأمم البدوية والمدنية استعدادا فطريا لظهور الاسلام فيها بالاقناع كما بيناه بالتفصيل في كتابنا ( خلاصة السيرة المحمدية ) وسنلم به قريبا ذلك بان من طباع البشر في معرفة الحق والباطل والخير والشر ، والعمل بمقتضى المعرفة وان خالف مقتضى الأهواء والشهوات ، والتقاليد والعادات ، ان مجرد البيان والاعلام والامر والنهي لا يكفي في الحمل على التزام الحق ونصره على الباطل ، ولا في أداء الواجب من عمل الخير وترك الشر إذا عارض المقتضي العلمي لهما ما أشرنا اليه آنفا من الموانع النفسية والعملية ، إلا في بعض الافراد من الناس دون الجماعات والأقوام . بل مضت سنة اللّه في تثبيت الحق والخير في النفس وصدور آثارهما عنهما بالعمل ، أنه يتوقف على صيرورة الايمان بهما اذعانا وجدانيا حاكما على القلب ، راجحا على ما يخالفه من رغب ورهب وألم وأمل ، وانما يكون هذا في الاحداث بالتربية العلمية العملية والأسوة الحسنة لهم فيمن ينشؤن بينهم من الوالدين والأقربين والمعاشرين وأما كبار السن فلا سبيل إلى جعل الايمان بالحق المطلق والخير العام اذعانا